عاجلمقالات

كلمة الوزير.. وكلمة الإمام

مختار محمود

صفق الحضور كثيرًا لكلمة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب أمس، خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوى، وتناقلتها وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية باهتمام شديد، ودققت فى الرسائل التى تضمنتها وفصلت فيها القول تفصيلاً، فيما لم تحظ كلمة وزير الأوقاف بتقدير يُذكر، سواء داخل قاعة الاحتفال أو خارجها. الوزير، فعل مثل كثيرين، حيث راهن على أن الرئيس عبد الفتاح السيسى، لن يهتم كثيرًا بأزمة الإساءة إلى الرسول الكريم فى فرنسا، وظن أنه سوف يتجاهلها، أو يتعامل معها بدبلوماسية؛ لذا جاءت كلمته ذات محتوى إنشائى فج باهت ردئ، ولم تواكب الحدث الذى يتألم من أجله جميع المسلمين، باستثناء الوزير ومَن على شاكلته فقط.

إهانة الرسول الكريم من جانب بعض الصحف والدوائرالأوروبية ليست بالأمر الهين الذي يمكن أن يغض الرئيس الطرف عنه، مهما تعددت الأسباب، وتنوعت الدوافع. دائمًا وأبدًا..

يراهن وزير الأوقاف على رهانات خاسرة، معظمها شخصية يُحصِّن بها نفسه وذاته ومنصبه وكرسيه.

الوزير مشغول بنفسه قبل كل شئ، وإن تغنى واقتبس أشعارًا وجملاً إنشائية يضلل بها مستمعيه.

انضم الوزير طوعًا إلى القطيع الذى برر للرئيس الفرنسى كراهيته للإسلام ورسول الإسلام، وظل أيامًا وليالىَ يُحمِّل الإسلام والمسلمين ما يتعرض له دينهم من إساءات وإهانات من دول طالما تغنت بحرية الرأى والتعبير.

كانوا يظنون أن هذا هو الرأى الرسمى للدولة المصرية، فأظهروا بُغضًا تجاوز بغض وكراهية “ماكرون” لنبى الإسلام.

خلت كلمة الوزير من أى موقف من أزمة الرسوم المسيئة للرسوم والتى تزامنت مع ذكرى مولده، ولكنه انشغل تارة بإنجازاته الضيقة، وتارة أخرى بما يظن أنه “مغازلة الرئيس”. وبعد الكلمة العرجاء لوزير الأوقاف، تحدث شيخ الأزهر، كما لم يتحدث من قبل، وواكبت كلمته الحدث الجلل، وأطلق بصوت هادئ وواثق ومطمئن عدة رسائل قوية للعالم الخارجى، وبدا مدافعًا بحق عن الإسلام، دينًا وونبيًا، وأعلن موقفه وموقف الأزهر الصريح بقوله: “وإنِّي لأعجبُ العجبَ كلَّه أن تُوقَدَ نارُ الفتنةِ والكراهيةِ والإساءةِ في أقطارٍ طالما تغنَّت بأنها مهد الثقافةِ وحاضنة الحضارةِ والتنوير والعلم والحداثة وحقوق الإنسان، ثم تضطربَ في يديها المعاييرُ اضطرابًا واسعًا، حتى بِتنا نَراها وهي تُمسك بإحدى يدَيْها مِشكاةَ الحريةِ وحقوقِ الإنسانِ، بينما تُمسِكُ باليدِ الأخرى دعوة الكراهية ومشاعلَ النيران”.

كلمات من نور، وبعض الكلمات قبور مثل كلمات الوزير المذكور ورفاقه.

وظل الإمام على هدوئه حتى اختتم كلمته، معبرًا عن موقف المسلمين الصادقين الذين لا يقبلون الدنية فى دينهم، فضجت القاعة بالتصفيق والتقدير، قبل أن تتلقف وسائل الإعلام الكلمة وتتناقلها على منصاتها مصحوبة بالتقدير اللائق لصاحبها. وفى الختام.. جاءت كلمة الرئيس، وربما ظن الوزير، كما ظن المرجفون بالمدينة، أنه سوف يتغاضى عن الأزمة بالكامل، أو يقول كلامًا يشبه كلامهم الذى رددوه فور اندلاع الأزمة، أو يتعمد إحراج الأزهر وإمامه الأكبر، ولكنه خيب ظنونهم جميعًا، وجاءت كلماته غاضبة مما يتعرض له الإسلام من إساءات وإهانات غير مبررة، وشدد على أن التطرف لا يجب أن يكون قرينًا للإسلام فقط، حيث قال: “دعونا نتفق على أن هذا التطرف لا يمكن قصره على دين بعينه، ففى جميع الديانات، وبكل أسف يوجد المتطرفون الذين يسعون لإذكاء روح الفتنة، وإشعال نار الغضب والكراهية، وهى الأفكار التى لا تثمر إلا عن تغذية خطاب التناحر والحض على التباعد والفرقة، حتى أن سيرة النبى العطرة لم تسلم من ذلك التطرف”.

وربما كانت الرسالة الأهم فى كلمة الرئيس هى التى وجهها للعالم: “كفى إيذاء لمشاعر المسلمين والتوقف عن جرح مشاعرهم”. شكرًا سيادة الرئيس.. شكرًا الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف.. أما معالى الوزير.. فقد نفد رصيدكم عند عموم المصريين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق